تقنية

هل هاتفك يسمعك؟ — الحقيقة الكاملة التي لم تسمعها من قبل

كنت جالساً مع أحد الأصدقاء نتحدث عن رحلة نريد القيام بها. ما فتحت أي تطبيق، ما بحثت عن شيء، مجرد حديث عادي بالصوت. وبعد أقل من ساعة فتحت إنستقرام — وأول إعلان ظهر لي كان عن نفس الوجهة التي تحدثنا عنها.

توقفت.

نظرت للهاتف.

ثم نظرت لصاحبي وقلت: “هذا الجهاز يسمعنا.”

الموضوع مش جديد، بس ما زال يخوّف

اللي حصل معي حصل مع ملايين الناس حول العالم. تتكلم عن منتج، عن مكان، عن فكرة — ثم تجد إعلاناً عنها وكأن أحداً كان يستمع. الموضوع صار نكتة شعبية، صار ميم على تويتر، صار حديث كل ديوانية وكل مجلس.

لكن هل هو حقيقي؟ هل فعلاً الهاتف يسمع؟

الإجابة ليست “نعم” بسيطة ولا “لا” بسيطة — الإجابة الحقيقية أكثر إثارة وأكثر إزعاجاً من التنصت المباشر.


أولاً: التقنية الخفية التي لا تراها

لنبدأ بالحقيقة التقنية. تسجيل صوت ملايين المستخدمين بشكل مستمر، ورفعه للسيرفرات، وتحليله — هذا يحتاج طاقة هائلة وتكلفة ضخمة، وخطر قانوني كبير. الشركات تعرف هذا. لذلك لا تحتاج أن تسمعك.

لأنها تعرف عنك أكثر مما تتخيل — بدون ما تسمع كلمة واحدة.

كيف؟

كل ما تفعله على هاتفك يُسجَّل. كم ثانية توقفت عند صورة معينة، أي مقاطع تشاهدها حتى النهاية، ماذا تبحث في الساعة الثانية فجراً، من تتواصل معه أكثر، حتى كيف تمسك هاتفك ومتى تفتحه — كل هذه بيانات تُباع وتُشترى بين شركات الإعلانات.

الخوارزمية لا تسمعك. هي تعرفك.


ثانياً: الموجات التي لا تسمعها أذنك

هذه النقطة تحديداً خوّفتني لما قرأتها.

خبراء الأمن السيبراني يؤكدون أن كثيراً من الأجهزة الذكية في منزلك — التلفزيون الذكي، اللاب توب، السبيكر — تُرسل موجات فوق صوتية، عالية جداً لدرجة أن الإنسان لا يسمعها. لكن ميكروفون هاتفك يسمعها. وتستخدم هذه الإشارات لتحديد موقعك، ما تفعله، وما يحيط بك.

يعني حتى لو أقفلت كل تطبيق — الأجهزة من حولك قد تكون تتحدث مع بعض عنك.


ثالثاً: سيري وأليكسا ومساعد جوجل — تسمع دائماً

هذا الجزء مش نظرية مؤامرة — هذا حقيقة موثقة.

المساعدات الصوتية مصممة لتكون في وضع استماع دائم بانتظار كلمة التفعيل. “Hey Siri”، “OK Google”، “Alexa”. المشكلة أنها أحياناً تُفعَّل بالخطأ عند سماع كلمات مشابهة لكلمة التفعيل. وفي عام 2019 كشفت تقارير أن Apple كانت تختار عينات عشوائية من محادثات المستخدمين مع سيري لتحليلها وتطوير الخدمة — من ضمنها محادثات خاصة جداً مع الأطباء والعائلة.

Apple اعتذرت وغيّرت سياستها. لكن السؤال بقي: كم مرة حصل هذا قبل أن نعرف؟


رابعاً: عقلك يخدعك — وهذا جزء من الحكاية

في علم النفس، هناك ظاهرة اسمها “تحيز التأكيد”. بشكل مبسط: عقلك يُسجّل المعلومات التي تؤكد ما تعتقده، ويتجاهل الباقي.

أنت في اليوم تشاهد مئة إعلان أو أكثر. لكنك تتذكر الواحد الذي “طابق” حديثك وتنسى التسعة والتسعين الباقية. هذا يجعلك تشعر أن الأمر يحدث دائماً، حتى لو كان مجرد صدفة.

لكن هذا لا يعني أن كل شيء صدفة.


خامساً: قضية Cox Media Group — لما النظرية صارت وثيقة

في عام 2024، ظهرت وثائق تُثبت أن شركة Cox Media Group الأمريكية كانت تعرض على المُعلنين خدمة اسمها “Active Listening” — الاستماع النشط — تدّعي فيها قدرتها على استهداف المستخدمين بناءً على محادثاتهم الصوتية عبر الميكروفون.

الشركة نفت لاحقاً، لكن الوثائق انتشرت. وشركات كبرى كـ Google وAmazon وFacebook طُلب منها توضيح علاقتها بهذه الخدمة.

يعني حتى لو الشركات الكبرى لا تفعل هذا رسمياً — هناك جهات وسيطة تدّعي قدرتها على ذلك.


ماذا تفعل الآن؟

١ — راجع أذونات التطبيقات اذهب لإعدادات هاتفك ← الخصوصية ← الميكروفون. ستتفاجأ كم تطبيق يملك صلاحية الاستماع لا تحتاجها. ألغِ صلاحية كل تطبيق لا يحتاج الميكروفون فعلاً.

٢ — فكّر في متصفحك متصفح Brave يحجب المتتبعين تلقائياً. ومحرك البحث DuckDuckGo لا يحفظ تاريخ بحثك ولا يبني ملفاً عنك.

٣ — المساعد الصوتي — أوقفه إن لم تستخدمه إذا لا تستخدم سيري أو مساعد جوجل بشكل يومي، أوقف تفعيل الاستماع الدائم. ستجد الخيار في إعدادات الهاتف.

٤ — تطبيقات المراسلة واتساب مملوك لـ Meta — نفس الشركة التي تعمل على إعلانات فيسبوك وإنستقرام. إذا تبي خصوصية حقيقية، Signal خيار أقوى بكثير.

٥ — أجهزتك المنزلية الذكية إذا عندك تلفزيون ذكي أو سبيكر ذكي — ابحث في إعداداته عن إيقاف ميزة “الاستماع” أو “التتبع الإعلاني”.


الخلاصة — السؤال الأكبر

ربما هاتفك لا يسمعك حرفياً بشكل مستمر.

لكنه يعرف روتينك اليومي. يعرف ساعة نومك ويقظتك. يعرف ما يقلقك وما يثير فضولك. يعرف أصدقاءك وعائلتك. يعرف أين تذهب وماذا تشتري. يعرف كل هذا لأنك أعطيته إياه — بضغطاتك، ببحثك، بتمريرك المستمر للشاشة.

التنصت الحقيقي ليس في الميكروفون.

هو في كل لحظة تقضيها أمام هذه الشاشة الصغيرة التي تعرفك أكثر مما تعرف نفسك.

سؤال للتعليقات: حصلت معك واقعة مشابهة؟ تكلمت عن شيء ووجدت إعلانه بعدها مباشرة؟ شاركنا 👇

اقرأ أيضاً: إطلاق ستارلينك في الكويت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى
اكتب المحتويات